التخطي إلى المحتوى الرئيسي

معاوية ابن ابي سفيان أمير المؤمنين الخليفة العادل

 ومن مظاهر قيامه بشؤون الرعية ما ذكره المسعودي في كتابه مروج الذهب الجزء الثالث ص29 - 30 أنه كان يخرج الى المسجد فيوضع {الكرسي} فيسند ظهره الى المقصورة و يجلس على الكرسي, ويقوم الأحراس فيتقدم اليه الضعيف و الأعرابي و الصبي و المرأة و من لا أحد له, فيقول : ظلمت, فيقول : {معاوية} فأعزوه, ويقول : عدي علي فيقول : ابعثوا معه ويقول : صنع بي فيقول أنظروا في أمره حتى إذا لم يبق أحد دخل فجلس على السرير ثم يقول: إئذن على قدر منازلهم ولا يشغلني أحد عن رد السلام, فيقال : كيف أصبح أمير المؤمنين أطال الله بقائه ؟ فيقول: بنعمة من الله، فإذ استووا جلوسا، قال: يا هؤلاء إنما سميتم أشرافا لأنكم شرفتم من دونكم بهذا المجلس، ارفعوا إلينا حوائج من لا يصل إلينا، فيقوم الرجل فيقول: استشهد فلان، فيقول: افرضوا لولده، ويقول آخر غاب فلان عن أهله، فيقول: تعاهدوهم، أعطوهم، اقضوا حوائجهم، اخدموهم حتى ينادي بالظهر فيخرج فيصلي ثم يدخل فيصلي أربع ركعات ثم يجلس فيأذن لخاصة الخاصة ... حتى إذا كان في آخر أوقات العصر خرج فجلس على سريره ويؤذن للناس على منازلهم.

 وفي شأن خدمة الرعية والقيام بشؤونها ما ذكره ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر ج25 ص52: قال أبو قبيل: كان معاوية قد جعل في كل قبيل رجلا، وكان رجل منا يكنى أبا الجيش، يصيح في كل يوم فيدور على المجالس; هل ولد فيكم الليلة ولد؟ هل حدث الليلة حدث؟ هل نزل بكم اليوم نازل؟ فيقولون; ولد لفلان غلام، ولفلان، فيقول; فما سمي؟ فيقال له، فيكتب، فيقول; هل نزل بكم الليلة نازل؟ فيقولون; نعم، نزل رجل من أهل اليمن، يسمنوه وعياله، فإذا فرغ من القبيل كله أتى الديوان فأوقع أسمائهم في الديوان. أ.ه وقدر ذكر ذلك ابن تيمية في منهاج السنة ******   

قال أبو إسحاق: ما رأيت بعد معاوية مثله.

 وقال مجاهد: لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي أ.ه مختصر تاريخ دمشق ج25 ص53.

وعن ابن عمر قال: معاوية من أحلم الناس. قالوا: يا أبا عبد الرحمن! وأبو بكر؟ قال: أبو بكر خير من معاوية، ومعاوية من أحلم الناس م.س ج25 ص55.

وذكر ابن تيمية في منهاج السنة الجزء الثالث ص185: وروى محمد ابن عوف الطائي حدثنا أبو المغيرة ابن ابي مريم عن عطية ابن قيس قال: سمعت معاوية ابن ابي سفيان يخطبنا يقول: ان في بيتي مالكم فضلا بعد أعطياتكم وإني قاسمه بينكم فان كان يأتينا فضل عاما قابلا قسمناه عليكم وإلا فلا عتبة علي فإنه ليس بمالي وإنما هو مال الله الذي أفاء عليكم.

 وقال ابن تيمية رحمه الله: واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة فإن الأرباع قبله كانوا خلفاء نبوة وهو أول الملوك كان ملكه ملكا ورحمة كما جاء في الحديث يكون الملك نبوة ورحمة ثم تكون خلافة ورحمة ثم يكون ملك ورحمة ثم ملك وجبرية ثم ملك عضوض وكان في ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين ما يعلم أنه كان خيرا من ملك غيره مجموع فتاوى ابن تيمية م.ج 4 ص478. 

وهذا الحسن ابن علي رضي الله عنهما يقول في خطبته مخاطبا شيعته: وإن عليا أبي كان يقول: لا تكرهوا إمارة معاوية، فإنكم فلو فارقتموه لرأيتهم الرؤوس تندر عن كواهلها كالحنظل ثم نزل أنظر شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد م.ج4 ص694 دار مكتبة الحياة بيروت - لبنان. 

وقد حدث عنه من الصحابة ابن عباس، جرير ابن عبد الله، وأبو سعيد، والنعمان ابن بشير، وابن الزبير وأما كبار التابعين فكثير أنظر سير أعلام النبلاء 3 ص120.

 قال الخليفة: ثم جمع عمر الشام كلها لمعاوية وأقره عثمان.

 وقد علق الذهبي في سير أعلام النبلاء على ذلك فقال: حسبك بمن يؤمره عمر ثم عثمان على إقليم وهو ثغر فيضبطه ويقوم به أتم قيام ويرضي الناس بسخاءه وحلمه وإن كان بعضهم تألم مرة منه وكذلك فليكن الملك. وإن كان غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خير منه بكثير وأفضل وأصلح، فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله وفرط حلمه، وسعة نفسه، وقوة دهاءه، ورأيه وله هنات وأمور والله الموعد.

 وكان محببا إلى رعيته عمل نيابة الشام 20 سنة والخلافة 20سنة، ولم يهجه أحد في دولته، بل دانت له الأمم وحكم على العرب والعجم، وكان ملكه على الحرمين ومصر والشام والعراق وخرسان وفارس والجزيرة واليمن والمغرب وغير ذلك. سير أعلام النبلاء م.ج 3 ص132-133.

شهادات لمعاوية بن ابي سفيان ذكرها الذهبي في سير أعلام النبلاء الجزء الثالث صفحة 152-153: 

يونس بن حلبس، قال: رأيت معاوية في سوق دمشق على بغلة، خلفه وصيف قد أردفه، عليه قميص مرقوع الجيب. 

عن أبي إسحاق قال: كان معاوية وما رأينا بعده مثله. 

عن ابن عمر قال: ما رأيت أحدا أسود من معاوية، قلت (جبل بن سحيم): ولا عمر؟ قال: كان عمر خيرا منه وكان معاوية أسود منه. 

ابن عباس يقول: ما رأيت رجلا كان أخلق للملك من معاوية، كان الناس يردون منه على أرجاء واد رحب لم يكن بالضيق الحصر العصعص المتغضب. يعني ابن الزبير. 

قبيصة ابن جابر قال: صحبت معاوية فما رأيت رجلا أثقل حلما، ولا أبطئ جهلا، ولا أبعد أناة منه. 

وهذه الشهادات موجودة في مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور في ترجمة معاوية.

 معاوية ابن أبي سفيان وأهل البيت: ذكر الذهبي في سير اعلام النبلاء: 

عن سعيد ابن عبد العزيز قال: قضى معاوية عن عائشة ثمانية عشر ألف دينار. 

عن مغيرة قال: بعث الحسن وابن جعفر الى معاوية يسألانه. فأعطى كل منهما مئة ألف، فبلغ ذلك عليا فقال لهما ألا تستحييان؟ رجل نطعن في عيبه غدوة وعشية تسألانه المال!؟ قال: لأنك حرمتنا وجاد هو لنا وأعطاه ابن عباس ألف ألف من بين عروض وعين. قال أقسمه في أهلك. أنظر الذهبي ج3 ص154-155.

 دخل الحسن والحسين على معاوية فأمر لهما بوقته بمئتي ألف درهم وقال: خذها وأنا إبن هند، ما أعطاها أحد قبلي، ولا يعطيها أحد بعدي. قال; فأما الحسن فكان رجلا مسكينا، وأما الحسين فقال: والله ما أعطى أحد قبلك ولا أحد بعدك لرجلين أشرف ولا أفضل منا.

 دخل الحسن ابن علي ابن طالب على معاوية فقال: أما والله لأوجزنك اليوم بجائزة لم أجزها أحدا من قبلك من العرب ولا أجيزها بعدك. قال; فأعطاه أربع مئة ألف فأخذها. أ.ه مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر لابن منظور ج25 ص64.

 وعن معاوية بن أبي سفيان ر.ض يقول محمد بن علي بن طباطبة المعروف بابن الطقطقي في كتابه الفخري في الأداب السلطانية والدول الإسلامية ص110: وأما معاوية -رضي الله عنه- فكان عاقلا في دنياه، لبيبا، عالما، حليما، ملكا قويا، جيد السياسة حسن التدبير لأمور الدنيا، عاقلا حكيما فصيحا.

 وصية معاوية بنصف ثروته إلى بيت المال: ذكر الطبري في تاريخه الجزء6 ص167: عن محمد ابن الحمم عمن حدثه أن معاوية لما حضر أوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال، كأن أراد أن يطيب له الباقي، لأن عمر قاسم عماله. أنظر تاريخ الطبري ج6 ص167, والكامل لابن الأثير ج3 ص260.

وكذلك كان يفعل مع ولاته بعد وفاته فقد ذكر اليعقوبي في تاريخه المعروف بتاريخ اليعقوبي م.ج2 ص222: ولم يكن يموت لمعاوية عامل إلا شاطر ورثته ماله، فكان يكلم في ذلك فيقول: هذه سنة سنها عمر بن الخطاب.  

ما ذكرناه من شهادات وروايات مبثوثة في كتب التاريخ، وكتب الطبقات وهي كثيرة وما يكفي لتغيير صورتنا عن هذا الخليفة العادل التي شوهها الشيعة بجميع فرقهم إلا أقل القليل من أمثال المسعودي في مروج الذهب، وشوهها بعض المستشرقين، والشيوعيين في فترة الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن العشرين وحتى بعض العلمانيين المتطرفين.

أهل الذمة في عهد بني أمية يقول منير الخوري: في كتابه صيدا عبر حقب التاريخ ص137. 

عن الذميين: أما حرياتهم الدينية والقومية فمرعية عن الإجمال. 

شهادات بعض المستشرقين لمعاوية يقول جون باجوت غالوب في كتابه الفتوحات العربية الكبرى ص648: وهنا أخذ معاوية على عاتقه مهمة تنظيم هذه الإمبراطورية ونحن نسمع في عهده لأول مرة عن وجود قوات للشرطة في الكوفة والبصرة، مما يشير عادة إلى وجود إدارة متحضرة، وأصبح القضاة ومديرو الخزانة وقادة الشرطة يعينون الآن في الأنصار تماما كما يعين الأمراء، ودشن معاوية في عهده أول خدمة للبريد كما حاول تنظيم الشؤون المالية.

 وقال كارل بروكلمان في كتابه تاريخ الشعوب الإسلامية ص124: والواقع أن معاوية لم يحكم العرب كطاغية شرقي بل كسيد من سادة القبائل القدماء، وكان من عادته أن يجتمع بعيد صلاة الجمعة في المسجد إلى رؤوس القوم وأشرافهم فيباحثهم من على المنبر، الذي كان بالنسبة إليه منصة للحكم أكثر منه شدة للوعظ في مختلف الشؤون السياسية، وكان يعقد أمثال هذه المجالس في قصره باطراد، وكثيرا ما كان يستقبل وفود الأمصار أيضا فيسمع لشكاواهم ويوثق بين القبائل المتخالفة. والحق أن أمثال هذه الأعمال كانت تتكشف أبدا عن السمة الرئيسية في شخصياتهم، أعني الرصانة الرقيقة والحلم الذين كانا يعتبران شيمة السيد الأولى بسبب ندرتهما عند العرب وأقام معاوية الدولة الإسلامية من جديد على الأسس التي وضعها عمر والتي تقوضت أثناء الحرب الأهلية أ.ه.

تعليقات

الأكثر زيارة

هل كان هارون الرشيد يشرب الخمر؟

  قال ابن حزم: أراه كان يشرب النبيذ المختلف فيه لا الخمر المتفق على حرمتها، قال: ثم جاهر جهارا قبيحا. مس السير مج9 ص290.   قال ابن خلدون وإنما كان الرشيد يشرب نبيذ التمر على مذهب أهل العراق وفتاويهم فيها معروفة وأما الخمر الصرف فلا سبيل إلى اتهامه به ولا تقليد الأخبار الواهية فيها. المقدمة لابن خلدون ص47. وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: قدم الرشيد مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه أبناء محمد الأمين وعبد الله المأمون، فأعطى فيها العطايا وقسم في تلك السنة في رجالهم ونسائهم ثلاثة أعطية، فكانت الثلاثة الأعطية التي قسمها فيهم ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار، وفرض في تلك السنة لخمسمائة من وجوه موالي المدينة، ففرض لبعضهم في الشرف منهم يحي بن مسكين، وابن عثمان، ومخراق مولى بني تميم، وكان يقرئ القرآن بالمدينة. تاريخ الطبري مج10 ص133.