التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما

 من الصعوبة الوصول إلى الحقيقة في هذا الموضوع لتضارب الروايات يقول ابن كثير في البداية والنهاية ج8 ص630-631: فأما قتل الحسين فإنه كما قال جده أبو سفيان يوم أحد لم يأمر بذلك ولم يسؤه. وقد قدمنا أنه قال: لو كنت لم أفعل معه ما فعله ابن مرجانة يعني عبيد الله بن زياد -وقال للرسل الذين جاءوا برأسه : قد كان يكفيكم من الطاعة دون هذا, ولم يعطهم شيئا, و أكرم آل بيت الحسين و رد عليهم جميع ما فقد لهم و أضعافه, وردهم إلى المدينة في محامل و أهبة عظيمة, و قد ناح أهله في منزله على الحسين حين كان أهل الحسين عندهم ثلاثة أيام, وقيل: إن يزيد فرح بقتل الحسين أول ما بلغه ثم ندم على ذلك, فقال أبو عبيدة معمر ابن المثنى: إن يونس ابن حبيب الجرمي حدثه قال: لما قتل ابن زياد الحسين ومن معه بعث برؤوسهم إلى يزيد, فسر بقتله أولا و حسنت بذلك منزلة ابن زياد عنده, ثم لم يلبث إلا قليل حتى ندم! فكان يقول: وما كان على لو احتملت الأذى وأنزلته في داري وحكمته فيما يريده، وإن كان علي في ذلك وكف ووهن في سلطاني حفظا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورعاية لحقه وقرابته، ثم يقول: لعن الله ابن مرجانة فإنه أحرجه واضطره، وقد كان سأله أن يخلي سبيله أو يأتيني أو يكون بثغر من ثغور المسلمين حتى يتوفاه الله، فلم يفعل، بل أبى عليه وقتله، فبغضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة، فأبغضني البر والفاجر بما استعظم الناس من قتلي حسينا، مالي ولابن مرجانة قبحه الله وغضب عليه. انتهى ملخص ابن كثير

اثبات نص الرسالة التي لم يأمر فيها بقتل الحسين بن علي، ومعلوم أن الحسين ر.ض طلب الانصراف إلى احدى ثلاث ذكرها المؤرخون، ولكن عبيد الله ابن زياد خالف أمر يزيد. 

نص الرسالة ومنها: وإنه قد بلغني أن الحسين ابن علي قد توجه نحو العراق فضع المناظر والمسالح واحترس على الظن وخذ على التهمة، غير ألا تقتل إلا من قاتلك، واكتب إلي في كل ما يحدث من الخبر و السلام عليك ورحمة الله. تاريخ الطبري ج6 ص200 - ط2 - 1423ه - 2002م دار الفكر - بيروت - لبنان، البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص561, مختصر ابن منظور ج8 ص375. 

واعلم أن الذين قتلوا حسينا رضي الله عنه قد قتلو لاحقا ولم ينج منهم أحد وقد ذكر ذلك المؤرخون، مع ما لهم من الخزي يوم القيامة وأما الحسين والحسن فهما بنص الحديث الصحيح سيدا شباب أهل الجنة دون منازع فحسبهما ذلك.  

ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام منصفا يلخص موقف أهل السنة أو جمهوره على أقل تقدير قال: ولا كان من المشهورين بالدين والصلاح، وكان من شبان المسلمين، ولا كان كافرا، ولا زنديقا; وتولى بعد أبيه على كراهة من بعض المسلمين ورضى من بعضهم، وكان فيه شجاعة وكرم ولم يكن مظهرا للفواحش كما يحكي عنه خصومه. مجموع فتاوى ابن تيمية م.ج3 ص410. 

ولما قد أهلهم رضي الله عنهم على يزيد بن معاوية أكرمهم وسيرهم إلى المدينة، وروي أنه لعن ابن زياد على قتله، وقال: كنت أرضى طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين، لكنه مع هذا لم يظهر منه إنكار قتله، والانتصار له، والأخذ بثأره: كان هو الواجب عليه فصار أهل الحق يلومونه على تركه للواجب مضافا إلى أمور أخرى وأما خصومه فيزيدون عليه من الفرية أشياء م.س م. ج3 ص411. 

ويقول ابن تيمية أيضا ذاكرا معتقد أهل السنة في يزيد: ولهذا كان الذي عليه معتقد أهل السنة وأئمة الأمة أنه لا يسب ولا يحب، فيزيد عند علماء أئمة المسلمين ملك من الملوك لا يحبونه محبة الصالحين وأولياء الله، ولا يسبونه فإنهم لا يحبون لعنة المسلم المعين. م.س م. ج3 ص412. 

قال صالح ابن أحمد قلت لأبي إن قوما يقولون إنهم يحبون يزيد، فقال: يا بني! وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقلت يا أبتي فلماذا لا تلعنه؟ فقال يا بني: ومتى رأيت أباك يلعن أحدا. 

وقال مهنى: سألت أحمد عن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. فقال: هو الذي فعل بالمدينة ما فعل! قلت: وما فعل؟ قال: قتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل. قلت وما فعل؟ قال نهبها، قلت: فيذكر منه الحديث؟ قال: لا يذكر عنه حديث. وهكذا ذكر القاضي أبو يعلى وغيره. 

وقال أبو محمد المقدسي لما سئل عن يزيد: فيما بلغني لا يسب ولا يحب. وبلغني أيضا أن جدنا أبي عبد الله ابن تيمية سئل عن يزيد فقال: لا تنقص ولا تزيد. وهذا أعدل الأقوال فيه وفي أمثاله وأحسنها. مجموع فتاوى ابن تيمية م.ج4 ص483. 

ويقول أبو حامد الغزالي في إحيائه: فإن قيل، هل يجوز لعن يزيد لأنه قاتل الحسين أو أمر به؟ قلنا: هذا لم يثبت أصلا فلا يجوز أن يقال إنه قتله أو أمر به مالم يثبت، فضلا على اللعنة، لأنه لا تجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق. نعم يجوز أن يقال قتل إبن ملجم عليا وقتل أبو لؤلؤة عمر رضي الله عنهما فإن ذلك ثبت متواترا. فلا يجوز أن يرمى مسلم بفسق أو كفر من غير تحقيق قال صلى الله عليه وسلم: (لا يرمي رجل رجلا بالكفر، ولا يرميه بفسق إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك). ج3 ص125. 

وعلى الهامش قال الحافظ العراقي: متفق عليه والسياق للبخاري من حديث أبي ذر مع تقديم ذكر الفسق. م.س.

تعليقات

الأكثر زيارة

هل كان هارون الرشيد يشرب الخمر؟

  قال ابن حزم: أراه كان يشرب النبيذ المختلف فيه لا الخمر المتفق على حرمتها، قال: ثم جاهر جهارا قبيحا. مس السير مج9 ص290.   قال ابن خلدون وإنما كان الرشيد يشرب نبيذ التمر على مذهب أهل العراق وفتاويهم فيها معروفة وأما الخمر الصرف فلا سبيل إلى اتهامه به ولا تقليد الأخبار الواهية فيها. المقدمة لابن خلدون ص47. وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: قدم الرشيد مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه أبناء محمد الأمين وعبد الله المأمون، فأعطى فيها العطايا وقسم في تلك السنة في رجالهم ونسائهم ثلاثة أعطية، فكانت الثلاثة الأعطية التي قسمها فيهم ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار، وفرض في تلك السنة لخمسمائة من وجوه موالي المدينة، ففرض لبعضهم في الشرف منهم يحي بن مسكين، وابن عثمان، ومخراق مولى بني تميم، وكان يقرئ القرآن بالمدينة. تاريخ الطبري مج10 ص133.